فخر الدين الرازي

158

شرح عيون الحكمة

--> لا يصوم أحد عن أحد ، وأفتى في النذر أن يصام عنه . وهذا قد حكاه ابن للقيم وأعرض عنه . والشافعي نفسه قد غلط الراوي عن ابن عباس . ولأن هذه المسألة من المسائل الاعتقادية ، لا ينبغي أن يكون الاختلاف حولها بأحاديث . هذا شأنها من معارضة بعضها لبعض ، ومن معارضة بعضها للقرآن الكريم . بل ينبغي تقريرها بأدلة القرآن وحده وبالسنة التي توافقه . فان كل امرئ بما كسب رهين . * * * وقال ابن للقيم : أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة ؟ هل هي في السماء أم في الأرض ؟ وهل هي في للجنة أم لا ؟ وهل تودع في أجساد غير أجسادها ، التي كانت فيها ، فتنعم وتعذب فيها أم تكون مجردة ؟ هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها . وهي انما نتلقى من السمع فقط . وذكر الاختلاف على أمر من عشرين رأيا . ومن فمه ندينه . أنه قال : « وهي انما تتلقى من السمع فقط » فأين السمع وقد أوصل الاختلاف إلى ما أوصله ؟ وانه لو عقل الحكم ، ورد المتشابه اليه لرد الاختلاف على أصحابه . والمحكم هو : « كل نفس ذائقة الموت . وانما توفون أجوركم يوم القيامة . فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز » هذا هو المحكم وهو يثبت فناء الروح وقت فناء الجسد . ويثبت ان الروح والجسد يحصلان معا على أجورهما يوم القيامة . وقد أثبت اللّه تعالى قدرته على خلق الجسد من لا شئ ، ورد الروح اليه في قوله تعالى : « انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن . فيكون » وعلى المحكم هذا يكون لا وجود للأرواح في العالم من بعد الموت . لا وجود لها بأفنيه الجنة على أبوابها ولا وجود لها على أفنية القبور ، ولا وجود لها بالجلبية ، أو ببئر زمزم ، أو ببرهوت وهو بئر بحضرموت - والجابية قرية من قرى دمشق في شمال حوران - وقد قال قوم : ان أرواح المؤمنين عند اللّه تعالى ولم يزيدوا على ذلك . وعلق عليهم ابن القيم بقوله : انهم تأدبوا مع لفظ القرآن حيث يقول اللّه عز وجل : « بل أحياء عند ربهم يرزقون » ونعلق نحن عليهم بأنهم عوام . لأن العامي هو من لا يعرف المحكم والمتشابه . ولذلك يأخذ بظاهر النص ويسلم به حتى لا يقع في الغلط . والراسخون في العلم يقولون : هم أحياء بمعنى سيصيرون في الآخرة أحياء . وعبر بأحياء الآن دلالة على تحقق